ابن الفارض

174

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

باطن القلب ، ومع ذلك لا يتخلّصون عن تخطف التفرقة ، ثم لما فرغ من إثبات مناسك الحجّ المعنوية في نفسه شرع في بيان إثبات سائر الأركان الإسلامية المعنوية الحاصلة فيها ، وهو الصوم والزكاة والصلاة بقوله : ونفسي بصومي عن سواي ، تفردا * زكت وبفيض الفيض عنّي زكّت [ 217 / ق ] لأن ( الصوم ) لغة هو الإمساك مطلقا ، وفي الشريعة : الإمساك عن المفطرات جميع النهار ، وفي الحقيقة : الإمساك عن الغير بنعت الفردية ؛ كما دلّ عليه قوله : ( ونفسي بصومي عن سواي تفردا ) ، والزكاة لغة هي الطهارة والنموّ ، وفي الشريعة : طهارة مال بلغ النصاب مما فضل عن الحاجة لانسداد حلّة المحتاجين به ، وفي الحقيقة طهارة نفس بلغت حدّ الكمال بإفاضة ما فضل عن حاجتها من الفيض الرباني على المحتاجين إليه ، كما دلّ عليه قوله : ( وبفيض الفيض عني زكت ) والتزكية : التطهير ، وأداء الزكاة أي : طهرت نفسي بسبب إمساكي غيري لتفرّدي بذاتي ، وأدّيت الزكاة المعنوية بما فضل عن حاجتي من الفيض القدسي : وشفع وجودي في شهودي ظلّ في إتّ * تحادي وترا في تيقّظ غفوتي ( الشفع ) بفتح الشين لغة هو الزوج ، وشرعا هو ركعتان ، وحقيقة هو وجود الرب شفع بوجود العبد ، و ( الوتر ) بكسر الواو لغة هو الفرد ، وشرعا : هو ركعة فردة لا تقارن أخرى ، وحقيقة : هو وجود الرب فردا باقيا بعد فناء وجود العبد ، فعبّر عن سرّ صلاته المعنوية بأن شفع وجوده ، وهو وجود الحقّ في حال شهوده صار وترا لا يقارنه وجوده في حال اتّحاده ، وذلك الاتّحاد كان في حال تيقّظ عن غفوة الغفلة ، أي انكشف له في تيقّظه أن وجود الحق كان أبدا واحدا ، وما رآه من وجوده كان خيالا تراءى له في نوم الغفلة وجودا آخر ، فاضمحلّ في حال التيقّظ ، والمراد بالاتّحاد هذا ، لا أن وجود العبد اتّحد مع وجود الرب تعالى اللّه عن ذلك . الصلاة معناها الصّلة بين الربّ والعبد ، وبداية هذه الصّلة أن يشهد العبد وجوب الرب شفع وجوده ، ونهايتها أن يراه وترا ، ولهذا المعنى يؤخّر الوتر إلى آخر الصلاة ، ولما كان الوصول [ 218 / ق ] إلى درجة المحبوبية التي اختصّ بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ونال بها ما نال من الفتوحات الغيبية ، والمشاهدات العينيّة ، والمقامات العليّة ، والأحوال السنيّة ممكنا لخواص أمّته مربوطا مشروطا بكمال متابعته صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] ، أخبر عن وصوله إلى تلك الدرجة ، وفوزه معنى بما فاز به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم صورة ومعنى ، فبدأ